الادخار في الإسلام

الادخار في الإسلام

يُعتبر الادخار وعدم الإسراف من القضايا الحياتية التي تحدث فيها دين الإسلام بنصوص وقواعد، وهذا إن دل فإنما يدل على أهمية الادخار في الإسلام. وإذا نظرنا إلى العديد من الحقائق الزمنية سنعرف جيدًا كيف تحول السلوك الاستهلاكي للشخص عبر الزمن لتلبية احتياجاته الشرائية وهو ما نوضحه فيما يلي.

التحول الاستهلاكي عبر الحقب الزمنية

تُعتبر الانطلاق الأولى لفكرة البقالة كانت في عام 1400 حيث تم اختراع هذا المكان بمساحة تقريبية 64 مترا مربعا، ومن ثم اخترعوا شيئا جديدًا حينها اسمه الماركت وهو البقالة الأكبر مساحة وذلك كان في عام 1930 وزادت المساحة من 64 مترا إلى 900 متر مربع.

وبزيادة الاستهلاك والطلبات الشرائية فُتح السوبر ماركت في عام 1960 بمساحة 4000 متر مربع وبزيادة الاستهلاك أيضًا وحاجة البشر فُتح الهايبر ماركت في عام 1970  بمساحة 20 ألف متر مربع!.

ولم يقتصر الأمر على مساحة الماركت فقط بل إن حجم  عربة المُشتريات زاد حجمها بشكل كبير بين السابق والحاضر وذلك ينم على كثرة المعروض وكثرة التبضع، فعلى حسب دراسة أمريكية كان مُتوسط الوقت الذي يقضيه الفرد في السوبر ماركت في الأربعينيات هو سنة في عمره كله بينما كان وقت قضاء الفرد في وقتنا الحديث هو 4 سنوات في عمره كله أي 4 أضعاف المدة!!.

ثقافة الادخار في الإسلام

يقول السلف “الاستعداد للحاجة مطلب عقلي وشرعي” من هُنا نستنبط الأهمية الكبرى التي ضمنها الإسلام في رسالته حول الادخار والتوفير ولنا في قصة سيدنا يوسف مع أهل مصر عبرة مُميزة حكاها لنا القرآن الكريم حيث قال تعالى: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبَا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ. وهُنا أشار نبي الله يوسف لأهل مصر بضرورة ادخار طعام قبل سنين العجاف.

ولم تكن قصة سيدنا يوسف فقط هي التي توضح الثقافة العامة لأهمية الادخار والإشارة إليها، بل أشار الله تعالى أن عدم الإسراف من صفقات عباد الرحمن حيث قال تعالى: وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يُقَتِّرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذٰلَك قوام.

مفهوم الادخار في الاسلام

أشار القرآن الكريم في العديد من الآيات إلى أهمية عدم الإسراف وكذلك عدم الشح حيث قال تعالى عن الشح: “وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا”، كما أشار الله تعالى إلى الإسراف فقال تعالى: ” وَكُلُواْ وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”. كما نهى الله تعالى أيضًا عن التبذير حيث قال تعالى: “وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا”.

ومن تلك الآيات نوضح بشكل كامل المفهوم الكامل للادخار في الإسلام، حيث إن الادخار ليس معناه البخل والشح فقد أوضح القرآن الكريم توجه رسالة الإسلام إلى الاعتدال في تلك النقطة بين عدم الإسراف وعدم الشح وهذا هو المعنى الأسمى لأساس عملية الادخار في الإسلام.

الفرق بين الادخار والاكتناز

كانت رسالة الإسلام واضحة تمامًا في الاعتدال في الإنفاق، وبالتالي لا يجب الخلط ما بين الاكتناز والادخار فهما أمران مختلفان تمامًا فالادخار أمر مباح في الإسلام بينما الاكتناز أمر مُحرم.

إباحة الادخار

الادخار في الإسلام يعنى الاحتفاظ ببعض المال ولكن المال الذي قد تمت تقضية زكاته لوقت الحاجة، وهذا أمر مباح، وأما عن الأحاديث النبوية التي تحدثت وأباحت هذا الأمر:  فقد ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ- أَوْ كبيرٌ- إنَّكَ إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أغنِيَاءَ خيرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يتكفَّفُونَ النَّاسَ” رواه مسلما. كما ثبت عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ” رواه البخاري. وفي الحديثين الشريفين توجيه واضح بعدم إنفاق كل المال حتى وإن كان في الصدقات إلى الله ما دام هناك من تجب عليهم النفقة، وأنه يجب الإبقاء على شيء من المال للورثة حتى لا يتعرضوا للمسألة ويصبحوا عالة على غيرهم.

حرمة الاكتناز

الاكتناز وباللغة الإنجليزية hoarding، وهذا يعني مصطلح جمع المال وتكديسه والاحتفاظ به مدة زمنية طويلة للغاية، وقد جاء مُصطلح الاكتناز من كلمة الكنز وهو المال المدفون كناية عن أن الشخص اَلْمُكْتَنِز يقوم بجمع وتكديس المال والمُقتنيات الأخرى مثل الذهب والمجوهرات وغيرها.

وليس الاكتناز هو جمع المال والاحتفاظ به فقط بل الاكتناز يعني الجمع المفرط وغير الضروري فمن الناس من يحتفظ بكُل راتبه الشهري وينفق القليل منه فقط على بيته!، في حين أن الأمر الطبيعي والسوي أن يتم ادخار نسبة صغيرة من المال لوقت الحاجة أو الاستثمار وتكون هذه النسبة بعد أن يتم الإنفاق على الأمور الضرورية وهذا ما أوضحناه في مقال طرق ادخار المال.

وأما عن حكم الاكتناز فقد جاء في القرآن الكريم على النحو التالي: قال تعالى: “وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ”.

الخلاصة

كُنا قد تحدثنا في هذا المقال عن الفلسفة الإسلامية في عملية التوفير والادخار والإنفاق، حيث أوضحنا كيف أمر دين الإسلام المُسلمين بضرورة الإعتدال في عملية الإنفاق بل وكذلك وجود ثقافة التوفير لسد الحاجة المُستقبلية وهذا بان لنا في الأيات والأحاديث النبوية التي ذكرناها في فقرات المقال.

كما تعرضنا أيضًا لقضية هامة ألا وهي أوجه الفرق ما بين الاكتناز والادخار وحكم كل أمر فيهم، حيث أوضحنا من خلال الأحاديث النبوية أن الادخار لا شيء فيه، ومن خلال الأيات القرأنية أن الاكتناز أمر مُحرم تمامًا.

إقرأ أيضًا:

أفضل طرق لادخار المال

كيفية إعداد ميزانية مالية لأسرتك

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
2 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
H.M.H
6 شهور

لا بد من الإعتدال في عملية الإنفاق بل وكذلك وجود ثقافة التوفير لسد الحاجة المُستقبلية

Compare listings

قارن
2
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x